صديق الحسيني القنوجي البخاري
505
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم أتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء فقال : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول بقولهم بلى وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان والرحم وغير ذلك ، وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض والقطع ولم يتعرض لنفي الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة لدخولها في النقض والقطع وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر وارتكاب المعاصي والإضرار بالأنفس والأموال . أُولئِكَ الموصفون بهذه الصفات الذميمة لَهُمُ بسبب ذلك اللَّعْنَةُ أي الطرد والإبعاد من رحمة اللّه سبحانه وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي سوء عاقبة دار الدنيا وهي النار أو عذاب جهنم فإنها دارهم . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي يوسعه لِمَنْ يَشاءُ أي لمن كان كافرا استدراجا وَيَقْدِرُ أي ويقتره على من كان مؤمنا ابتلاء وامتحانا وتكفيرا لذنوبه ولا يدل البسط على الكرامة ، ولا القبض على الإهانة ، ومعنى يقدر يضيق ، ومنه ومن قدر عليه رزقه ، أي ضيق ، وقيل معنى يقدر يعطي بقدر الكفاية ، وقرأ السبعة يقدر بكسر الدال وهو أفصح ، واستعمل بالضم أيضا على ما في المصباح ، ومعنى الآية إنه الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون غيره . وَفَرِحُوا أي مشركو مكة بِالْحَياةِ الدُّنْيا فرح بطر لا فرح سرور والفرح لذة تحصل في القلب عند حصول المشتهى وجهلوا ما عند اللّه ، والجملة مستأنفة لبيان قبح أفعالهم مع ما وسعه عليهم ، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام . قيل وفي هذه الآية تقديم وتأخير ، والتقدير ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا ، والأول أولى لأنه ماض وما قبله مستقبل ، وقيل العطف على ينقضون ولا يصح لأنه يستلزم تخلل الفاصل بين أبعاض الصلة . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ أي بالنسبة إليها وفي جنبها ففي هنا للمقايسة وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق وليست ظرفا للحياة ولا للدنيا لأنهما لا يكونان في الآخرة إِلَّا مَتاعٌ أي ما هي إلا شيء يستمتع به . وقيل المتاع واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما ، وقيل المعنى بشيء قليل ذاهب من متع النهار إذا ارتفع فلا بدّ من زوال ، وقيل زاد كزاد الراكب يتزودونه منها إلى الآخرة . وقال عبد الرحمن بن سابط : كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن . وعن ابن عباس قال : كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله أو غنمه فيقول لأهله متعوني فيمتعونه فلقة الخبز أو التمر ، فهذا مثل ضربه اللّه للدنيا .